أبي منصور الماتريدي

354

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والانقياد لله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى : أي : ولكن كذب بالأخبار التي جاءته . وَتَوَلَّى ، أي : أعرض عن طاعة الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ، أي : يتبختر ويتكبر « 1 » ، وذلك أن الاحتيال والتكبر إنما يليق بمن أتى بفعل عظيم يعجز غيره عن إتيان مثله ؛ نحو أن يهزم جندا عظيما ، أو يفتح كورة حصينة ، وهذا الذي تمطى لم يفعل سوى أن كذب بآيات الله تعالى ، وأعرض عن طاعته ، وما هذا إلا فعل السفهاء الحمقى ، فأنى يليق بمثله التمطي ؟ ! وقوله - عزّ وجل - : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى . ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى : جائز أن يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قيل له : قل : أولى لك فأولى . أو كان رسول الله قال له : أولى لك فأولى ، فبين الله تعالى ذلك في كتابه . وقال أهل التأويل : هذا وعيد على وعيد ، كأنه قال : « ويل لك فويل ، ثم ويل لك فويل » . وذكر أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أخذ بجميع ثيابه ، وقال له هذا ، فلم يتهيأ لذلك المسكين أن يدفع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن نفسه ، وكان يفتخر بكثرة أنصاره ، وأنه أعز من يمشي بين الجبلين ، فالله تعالى بلطفه أذله وأهانه حتى لم يتهيأ له الحراك عما نزل به ، ولا نفعه قواه وكثرة أتباعه . وجائز أن يكون قوله : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى أي : أجدر لك ، وأحرى ، لا أن يكون محمولا على الإبعاد ؛ فيكون قوله : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ، أي : الأجدر لك أن تنظر فيما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؛ وفي الذي كان عليه آباؤك ؛ ليظهر لك الصواب من الخطأ ، والحق من الباطل ، فتتبع الصواب من ذلك ، فتحرز به شرف الدنيا والآخرة ؛ إذ كان يفتخر بشرفه وعزه ، فإن أردت أن يدوم لك الشرف ، فالأولى لك أن تنظر إلى ما ذكرنا ، فتتبع الصواب من ذلك . والثاني : أن العرب كانت عادتها أن تقوم بنصر قبيلتها والذب عنها ، [ سواء ] كانت ظالمة في ذلك أو لم تكن ظالمة ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان من قبيلة أبي جهل - لعنه الله - فلو كان على غير حق عنده ، كان الأولى به أن ينصره ، ويعينه ، على ما عليه عادة العرب ، وإن كان محقا فهو أولى ، فترك ما هو أولى به من النصر والحماية ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في أ : تجبر وتكبر .